فخر الدين الرازي

159

تفسير الرازي

الموعود ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : * ( ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب ) * ( العنكبوت : 53 ) ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : * ( ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذاً منظرين ) * فنقول : إن كان المراد من قولهم : * ( لو ما تأتينا بالملائكة ) * هو الوجه الأول ، كان تقرير هذا الجواب أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وعند حصول الفائدة ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل عليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم ، وعلى هذا التقرير فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً ، ولا يكون حقاً ، فلهذا السبب ما أنزلهم الله تعالى ، وقال المفسرون : المراد بالحق ههنا الموت ، والمعنى : أنهم لا ينزلون إلا بالموت ، وإلا بعذاب الاستئصال ، ولم يبق بعد نزولهم إنظار ولا إمهال ، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة ، فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة ، وأما إن كان المراد من قوله تعالى : * ( لو ما تأتينا بالملائكة ) * استعجالهم في نزول العذاب الذي كان الرسول عليه السلام يتوعدهم به ، فتقرير الجواب أن الملائكة لا تنزل إلا بعذاب الاستئصال ، وحكمنا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نفعل بهم ذلك ، وأن نمهلهم لما علمنا من إيمان بعضهم ، ومن إيمان أولاد الباقين . المسألة الثانية : قال الفراء والزجاج : لولا ولو ما لغتان : معناهما : هلا ويستعملان في الخبر والاستفهام ، فالخبر مثل قولك لولا أنت لفعلت كذا ، ومنه قوله تعالى : * ( لولا أنتم لكنا مؤمنين ) * ( سبأ : 31 ) والاستفهام كقولهم : * ( لولا أنزل عليه ملك ) * ( الأنعام : 8 ) وكهذه الآية . وقال الفراء : لو ما الميم فيه بدل عن اللام في لولا ، ومثله استولى على الشيء واستومى عليه ، وحكى الأصمعي : خاللته وخالمته إذا صادقته ، وهو خلى وخلمي أي صديقي . المسألة الثالثة : قوله : * ( ما ننزل الملائكة إلا بالحق ) * قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم : * ( ما ننزل ) * بالنون وبكسر الزاي والتشديد ، والملائكة بالنصب لوقوع الإنزال عليها . والمنزل هو الله تعالى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم : * ( ما تنزل ) * عن فعل ما لم يسمى فاعله ، والملائكة بالرفع . والباقون : ما تنزل الملائكة على إسناد فعل النزول إلى الملائكة والله أعلم . المسألة الرابعة : قوله : * ( وما كانوا إذاً منظرين ) * يعني : لو نزلت الملائكة لم ينظروا أي يمهلوا فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة . قال صاحب " النظم " : لفظ اذن مركبة من كلمتين : من إذا وهو اسم بمنزلة حين ألا ترى أنك تقول : أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني . ثم ضم إليها أن ، فصار إذ أن . ثم استثقلوا الهمزة ، فحذفوها فصار إذن ، ومجئ لفظة إذن دليل على اضمار فعل بعدها والتقدير : وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا وهذا تأويل حسن .